بكل قسوة قالت لي : "أنت تتحمل كل ما يجري لك، لا تنتقل للعن أحد قبل أن تفرغ من لعناتك مع نفسك، تصالح معها وستجد الآلية والبيئة المناسبة لتتصالح مع الحياة برمتها"
تلك العبارة لم تكن أول مرة أقرأها أو أسمعها في حياتي، ولكنها هذه المرة جاءت في ظروف مغايرة جعلتني أتجرد من ذاتي لأول مرة وأضعها أمامي كما لم أرها من قبل
الرغبة العارمة والشغف بالحياة تكفي لتدخل في مرحلة مراجعة بلا هوادة لكل عاداتك وسلوكياتك وربما تنتقل إلى مستوى القيم والمثل ان أردت الوصول سريعا للحياة التي تؤمن بأحقيتك بها وحاجتك الماسة في ان تعيشها
مباشرة وبدون تردد، بقيت اسأل نفسي بعد تلك الرسالة منها، ماهو خصامي الرئيس مع نفسي فجاءت الاجابة مباشرة وبدون تردد إنه وقتك، لكنني أعرف قطعا بوجود المزيد من الوقت رغم الطموح الجامح، لأجد أمامي السؤال الأهم والذي أوصلني لتحسس مكمن الخلل وموضع الألم في تعاطي مع الوقت المتاح: "لماذا لا استطيع ان استمتع واستفيد من كل ذلك الوقت المتاح" ؟
فلم أجد ما يشغل اليوم والليلة ويبقيني متصلا بغير ما أريد لوقتي حتى وأنا نائم سوى (سلوكي مع الإنترنت)
يالله، تخيل! في الوقت الذي ينقطع فيه المرء عن "الطموح واليأس، النجاح والفشل، الرضا والسخط، الغنى والفقر ،السعادة والحزن، ....." وكـل متضادات الحياة ومشاعرها المختلفة وهو نائم كنت أنا متصلا بالإنترنت وأتلقى العديد من الاشعارات والتنبيهات وابتدأ يومي بذلك بعد أن خلفت أمسي أيضاً كذلك
بقيت أتسائل بحرقة "هل سيجد متعة الوقت ويستغله كما يحب من انقطع عن حياته وبقي فقط متصلا بالإنترنت بهذه الطريقة الاستغلالية"
عدت للوراء قليلا بل كثيرا وطويلا، لأجدني عاجزا عن تذكر ذكرياتي الجميلة في الحياة منذ تخرجي من يأس الجامعة وقنوط الرياض، خمس سنوات من حياتي في الشبكات الاجتماعية بدءا ب"فيسبوك" وانطلاقا الى "تويتر، لينكد إن, باث, نتلوق، فليكر، فليكستر، والعديد من برامج الشات من خلال الهواتف الذكية" ذكرياتي التي أخرجتها من إطارها الواقعي الذي كنت أتشارك به مع دوائر حياتي الحقيقية (أنا وعائلتي، أهلي وأصدقائي المقربين، وبعض أقارب وأصدقاء لا يفرط بهم عاقل) لأشاركها في دوائر حياة افتراضية من خلال الانترنت وشبكاته الاجتماعية
في الوقت الذي يستطيع والداي استذكار لحظات سعيدة في أقصى مواقع الذاكرة والزمن السحيق من العمر أجدني عاجزا عن ذلك مع خمس سنوات فائتة فقط رغم قدرتي على التوثيق بالصوت والصورة وأرشفة كل شئ بأسهل الطرق وأنجع الوسائل الالكترونية
وبينما كنت أباشر حياتي الخاصة من "رياضة، وقراءة، ومشاهدة أفلام، واستماع للفن والموسيقى، ولقاءات عائلية، واجتماعات مع أهلي وأقاربي، وأوقات للحياة مع أصدقاء مقربين لقائهم بالحياة، ولحظات من التأمل، ووحي من التحنف والخلوة التي تصل الأرض بالسماء, وأيام من الأمل والطموح والرغبة الجامحة في السعادة" دون تشويش أو تأخير مزعج او انشغال مسيء للادب والذوق احيانا بغير ذلك - كمشاركة من لا يهمه من أمري سوى أن أملئ "التايم لاين" في صفحته باي شبكة اجتماعية بتلك اللحظات-
وجدتني مستسلما للبقاء متصلا بالإنترنت والمشاركة في شبكاته الاجتماعية بحياتي وأنا (أمارس الرياضة، أو أقرأ، أو أشاهد فيلم، أو استمع لموسيقى، أو أتحدث لزوجتي وربما حتى ونحن نمارس الجنس، أو ألعب مع بناتي "غادة وغزل" ، أو جالسا بجوار والدي ووالدتي، أو مع أصدقاء تدفع ما تملك ليهبوا لك لحظة من اوقاتهم وحياتهم المليئة بالحياة الحقيقية، وللأسف حتى وأنا في أروع لحظات التجلي وساعات الاتصال بالخالق من خلال صلاة أو قراءة لكتابه أو ابتهال ومناجاة ودعاء) وكأن وجود تلك اللحظات الماتعة والدقائق الثمينة والغالية من الحياة على أرض الواقع ليست كافية, وتخلو من الروح والمعنى حتى تصبح "POST" في الشبكات الاجتماعية, وهذا ال "POST" في الشبكات الاجتماعية ليس عملا منفردا بل مسبوق بمطالعة في "Time Line" شبكة أو شبكتين اجتماعية ومتبوعة بقراءة التعليقات عليها والردود واعادة النشر لها ولحظات من الاعجاب بالنفس التي ليس لها قيمة
وقفت أتسائل بكل تجرد ووضوح "لماذا كل هذا؟"
لماذا كل هذا الركض في "تايم لاين" كل شبكة اجتماعية قبل النوم وحين الاستيقاظ ومع عائلتي ووالداي وأصدقائي وأثناء العمل وقبل كل عمل وبعد كل عمل، وحين الإجازة لماذا؟
هل هناك من يكسب من كل هذا (أنا وعائلتي، أسرتي وأصدقائي المقربين، بعض الأقارب والأصدقاء الرائعين) هل بقائي متصلا حال نومي واستيقاظي يهم كل دائرة منهم حسب أولويتها، ما مدى حاجتي وحاجة كل من ذكرت أعلاه لبقائي متصلا بالإنترنت، هل هناك من يستمتع حقيقة ببقائي متصلا بهذه الطريقة المزعجة والأسلوب الفض في الحياة
هل تلك الدوائر في حياتي وأولويتها حقيقة وليست مجرد مثاليات أحاول أن اتظاهر بها أمام الاخرين لكسب بعض الاعجاب؟ هل فشلت في الاستمتاع بحياتي وفق دوائرها على الواقع مما اضطرني لنقل ادق تفاصيلها لتلك الشبكات الاجتماعية وذلك العالم الافتراضي؟ هل حياتي واصدقائي في ذلك العالم الافتراضي أكثر اسعادا لي ومشاركة لحياتي واهتماما لامري من تلك الدوائر التي اصحو وانام وانا اردد اولويتها في حياتي؟ هل فشلت في بناء ذاكرتي وتعزيزها بلحظاتي "السعيدة والحزينة والطموحة والمحبطة والهادئة والمزعجة والضاحكة والمبكية والمتعقلة والمجنونة والمكتسية بالوحدة والممتلئة بالخلطة" ومنحتها للانترنت ليدفع رواتب موظفين تلك الشبكات ويبني حياتهم الواقعية وذاكرتهم كما يريدون؟ هل من الممكن أن آخذ معي تلك المكتسبات من أصدفاء رائعين في الشبكات الاجتماعية لحياتي الواقعية لتصبح أكثر نضرة وأزهى معنى وقيمة؟ ماذا استفدت من إيمان زوجتي بأنها لا تعني شيئا حينما تقارن نفسها بجوالي "جلاكسي" أو جهاز "الايباد" ,وبقاء ابنتي تردد "بابا مشغول بالجوال" ,واستمرار والدي في النصح ان اقلل من استخدامي المفرط للتقنية وكأنني مراهق امامه, وضجر اصدقائي المقربين من سوء أدبي وانا معهم منشغلا بتلك الشبكات الافتراضية؟
أسئلة .. أسئلة .. ودوامة من الأسئلة ليست في حاجة لكل تلك الحيرة, فالحياة قدر كل حي, والسعادة والشقاء اختيار آني أمام كل عاقل, وليس له سوى أن يقرر حزمة من القرارت ربما تجعله سعيدا وربما شقيا, الا انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون
أنا الآن غير متصل بالإنترنت :)


تقصد الانترنت غير متصل بك الان ... انت الأساس
ردحذفيومية جميلة يا صديقي عابد